الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
354
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
كلام جامع وهو تذييل للسورة مؤذن بختامها ، فهو من براعة المقطع . والواو عاطفة كلاما على كلام ، أو واو الاعتراض في آخر الكلام ومثله كثير . واللّام في لِلَّهِ للملك وهو ملك إحاطة العلم ، أي للّه ما غاب عن علم الناس في السماوات والأرض . وهذا كلام يجمع بشارة المؤمنين بما وعدوا من النعيم المغيب عنهم ، ونذارة المشركين بما توعدوا به من العذاب المغيب عنهم في الدنيا والآخرة . وتقديم المجرورين في وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ لإفادة الاختصاص ، أي اللّه لا غيره يملك غيب السماوات والأرض ، لأنّ ذلك ممّا لا يشاركه فيه أحد . وإلى اللّه لا إلى غيره يرجع الأمر كله ، وهو تعريض بفساد آراء الذين عبدوا غيره ، لأنّ من لم يكن كذلك لا يستحق أن يعبد ، ومن كان كذلك كان حقيقا بأن يفرد بالعبادة . ومعنى إرجاع الأمر إليه : أنّ أمر التّدبير والنصر والخذلان وغير ذلك يرجع إلى اللّه ، أي إلى علمه وقدرته ، وإن حسب الناس وهيئوا فطالما كانت الأمور حاصلة على خلاف ما استعد إليه المستعد ، وكثيرا ما اعتزّ العزيز بعزّته فلقي الخذلان من حيث لا يرتقب ، وربّما كان المستضعفون بمحل العزة والنصرة على أولي العزة والقوة . والتعريف في الْأَمْرُ تعريف الجنس فيعمّ الأمور ، وتأكيد الأمر ب كُلُّهُ للتّنصيص على العموم . وقرأ من عدا نافعا يُرْجَعُ ببناء الفعل بصيغة النائب ، أي يرجع كل ذي أمر أمره إلى اللّه . وقرأه نافع بصيغة الفاعل على أن يكون ( الأمر ) هو فاعل الرجوع ، أي يرجع هو إلى اللّه . وعلى كلتا القراءتين فالرجوع تمثيل لهيئة عجز الناس عن التصرف في الأمور حسب رغباتهم بهيئة متناول شيء للتصرّف به ثم عدم استطاعته التصرف به فيرجعه إلى الحري بالتصرف به ، أو تمثيل لهيئة خضوع الأمور إلى تصرف اللّه دون تصرّف المحاولين التصرف فيها بهيئة المتجوّل الباحث عن مكان يستقرّ به ثم إيوائه إلى المقرّ اللائق به ورجوعه إليه ، فهي تمثيلية مكنية رمز إليها بفعل يُرْجَعُ وتعديته ب إِلَيْهِ . وتفريع أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بعبادة اللّه والتوكّل عليه على رجوع الأمر كله إليه ظاهر ، لأنّ